رغم الظروف الصعبة والحرجة التي تعصف ببلادنا اليمنية الحبيبة، ما يزال رجالٌ يقومون بواجبهم في مؤسسات الدولة عامة، وفي ميادين التربية والتعليم والدعوة والمقاومة خاصة؛ يسعون في حفظ وإدارة ما تبقّى من مصالح الدين والوطن، على ضعف الأمن والخدمات، وشُحّ الرواتب و الإمكانات، بينما نحن بفضل الله في عافية وخير، فبارك الله فيهم ونفع بهم ورفعهم وتقبل منهم ورزقهم القبول والتوفيق.
أولئك الجنود المجهولون.. رجال يعملون في صمت، ويعيشون مهضومين خاملين في أعين الناس، والعجبُ أننا لا نكاد نلتفت إليهم إلا إذا غيّبهم الموت؛ فتتحرك الألسنة بذكرهم، وتدمع العيون لفقدهم، وتُسطر المقالات والقصائد في مناقبهم بعد أن طُويت أيامهم.
وكأن لسان حال أحدهم يقول:
لا ألفينّك بعد الموت تندبني * وفي حياتي ما زودتني زادًا
أو كما قال الشاعر اللحجي:
كرّموني وأنا أعيش… بعد الموت ما أشتيش.
الجبر بيته على الدنيا.. إن مت انا جبركم ماباه
وقديمًا شكا هذه المفارقة العلامة الرحالة الأديب ياقوت الحموي. صاحب الموسوعة التأريخية (معجم البلدان) فقال:
تنكَّر لي مذ شِبتُ دهري وأصبحت * معارفُه عندي من النَّكِراتِ
فقد تنقّل في البلدان للتجارة وطلب العلم، ثم ذاق تقلّب الدنيا، ورأى تغيّر الناس عليه بعد أن كبر سنّه وضعف حاله.
ومثله ما أنشده الإمام الفقيه عبدالوهاب المالكي – رحمه الله – حين خرج من بغداد مع اسرته حزينًا:
بغـدادُ دارٌ لأهل المـال طيبةٌ وللمفاليس دار الضنك والضيقِ
ظللتُ حيران أمشي في أزِقتها كأنني مصحفٌ في بيت زنديقِ
وهذه المفارقة حاضرة لا تخطئها عين في شتى مجالات الحياة، وفي دهاليز مؤسساتنا السياسية والإعلامية والإدارية والعلمية أيضا، حيث يحظى الرموز بالمكانة والإمكانات، بينما يقف خلفهم جنودٌ صامتون، هم عصب العمل وروحه، ولولاهم ما قام بناء ولا استقام مشروع، بل يمتد هذا المعنى إلى داخل الأسرة؛ حيث يُعطى بعض الأبناء عناية ظاهرة، بينما يُهضم حق غيرهم، ويغلب على الأطفال التعلّق بالأم لما يرونه من دفء، ويغيب عنهم عرق الأب وتعبه، فينصرفون عنه، حتى إذا نضجت بصائرهم أبصروا ما كان خافيًا من عظيم جهد الآباء وما بذلوه في الخفاء.
لكن… هل هذه دعوة إلى قلب الموازين؟ كلا.
إنما هي دعوة إلى أداء الأمانة والمسؤولية، والتي تعظم بخطورة التحديات التي تهدد مصالح الدين والوطن، والعدل والإنصاف في النظر و التقدير وإعطاء كل ذي حق حقه.
وهي كذلك تذكير لأولئك الجنود المجهولين بالثبات على الإخلاص والاحتساب وعدم السقوط في حمأة الإحباط والانسحاب، والتذكير لهم - باركهم الله - بقيمة أعلى وأبقى:
قيمة العمل الخفي الذي لا يُبتغى به إلا وجه الله.
وقد أشار النبي ﷺ إلى هذا المعنى بقوله - كما في مسلم - :
«رُبَّ أشعثَ أغبر، مدفوعٍ بالأبواب، لو أقسم على الله لأبرّه»
وفيما رواه البخاري:
«طوبى لعبدٍ آخذٍ بعِنان فرسه في سبيل الله، أشعثَ رأسه، مُغبَرّة قدماه… إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة…».
مجهولٌ في الأرض، مشهورٌ في السماء، لا يطلب الصدارة، ولا يتطلع إلى الأضواء، بل يرضى حيث أقامه الله، ويُحسن حيث وُضع.
وهكذا كان سلف الأمة…
كان علي بن الحسين يحمل الطعام ليلًا للفقراء، فلا يُعرف، حتى افتُقد بعد موته.
وكان سفيان الثوري يفرّ من الشهرة، ويعدّها بلاء، ويقول: ما عالجت شيئًا أشدّ عليّ من نيتي.
أدركوا أن القبول ليس في كثرة الذكر، بل في صدق السر،
وأن العمل إذا عظم في الخفاء، عظم عند الله، وإن صغر في أعين الناس.
وكم في تاريخ الأمة من مُلثَّمٍ لا يُعرف اسمه، شقّ الصفوف يوم الزحف، ثم انصرف كما جاء، لا يبتغي ذكرًا ولا ثناء.
وكم من محسنٍ طرق الأبواب خفية، وكم من مصلحٍ جمع القلوب بصمت، ثم طواه النسيان في سجلات البشر، وهو عند الله في ديوان الصادقين.
أيها القارئ الكريم…
إن كنت من هؤلاء الجنود الخفيين، فاثبت؛ فإن الله لا يضيع عملك.
وإن كنت ممن تُشار إليهم الأنظار، فاحذر؛ فإن الأضواء قد تحجب عنك حقيقة نفسك.
وقد قال الزبير بن العوام وعبدالله بن عمر رضي الله عنهما:
«من استطاع منكم أن يكون له خبيء من عمل صالح فليفعل». صحيح الجامع للألباني.
والخبيء هو العمل الخفي الذي يُدّخر عند الله ليوم الفاقة.
جنود الظل في زمن التنافس على الظهور، وضجيج الأضواء،
جنود بلا أسماء فرغم التهميش والإقصاء، إلا أن أعمالهم أكثر صفاء ونقاء لبعدها عن الرياء، وهي أقرب الطرق إلى السماء.
فمن خفي عن الخلق… لم يخفَ عن الخالق، وربّ جنديٍّ مجهول في الأرض، هو عند الله من أعظم القادة قدرًا وأجرًا.
اللهم ارزقنا الإخلاص والإحسان والثبات، واعف عن تقصيرنا وتفريطنا يا رب العالمين.





